الإعلانات

النصف المضيء من الباب الموارب – نور البواردي

.

.

في قراءة لكتاب النصف المضيء من الباب الموارب لنور البواردي كتبت أن لغتها سينمائية و أن ما يميز ما تكتبه هو الرقة و الهدوء، كنت أعرف أني لم أقل كل ما أريد قوله و لذلك قطعت وعدًا بأن أعود للمدونة فأُحلل بعضًا من نصوصها. وجدت النص الأفضل للتحليل الآن و الكاشف للعمق و الطرافة التي أكدتُ عليها، هو:

” المساء: احتفال أصفر”

كُنت أحلم
حين رأسي يُبارح حجرته الضيّقة، و يتسكّع بين المقاهي الرديئة
ذلك قبل أن يتعلّم السير بشكلٍ أفقي مُرتديًا الأصفر الفاقع ويُكثر من
الكلام

رأسي، الولد الطيِّب مخلوع الكتف
صاحب الحكايات الباردة و الحزن الفكاهي:
أنا الرأس المُطِلُّ على النافذةِ العلويّة
رفيق من ماتوا باكرًا
قَدَر السماء الجيّد
النصف المضيء من الباب الموارب
الرائحة العالقة بطرفِ المفَارش القديمة
القَدَم التي لا تزلُّ
صديق الفتاة مرتادة المقاهي العتيقة؛ الضَّجِرة ذات القميص الأصفر
الفاقعة

الجالسة في الصفِّ الأخير و التي لا يعنيها أن تحلم بعد الآن.

النصف المضيء من الباب الموارب، ص ٣٢

(الولد) يظهر في معظم نصوص البواردي و كأنما هو صيغة تلطُّف في الإشارة لشاب، إشارة تبدو ظاهريًا  على شيء من الرقة ولكنها تُبطن نوعًا من التصغير (ربما التحبب؟) ، و هذا النص ليس استثناءًا؛ بعد عدة قراءات وجدت ابتسامتي تتمدد باكتشافي أن التصغير أبطن في هذا النص بالذات محاولة إقصاء.

بين “أحلم” الأولى و “لا يعنيها أن تحلم بعد الآن” يظهر “الولد” الذي لولا ضرورة الحلم و الخيال لما ظهر أصلًا . و بمقارنة حضور “الولد” و “الفتاة”، نجدها تنتزع من الذكر صفة الرجولة و تخلع عليه وصف الولدنة، الذكر ليس يافعًا فحسب و إنما عليل “مخلوع الكتف” تنقصه صفات القوة و الهيبة، حتى حزنه فكاهي. أما الفتاة فحضورها و إن بدى غامضًا لكنها سبب حضور الولد للنص، سبب ربطه بالرأس و سبب إعطائه الفرصة للكلام على اعتبار أن ضمير المتكلم في “كنتُ أحلم” عائد لمؤنث

قبل أن تُعرّف عنه أنه “ولد”، تصمه بـ : “يُكثر من الكلام” و هي صفة تُتّهم بها النساء (رُغم أن علم اللغة الإجتماعي يقول بعكسها ) لكنها هُنا ترمي بها الولد، و كأنها تُهيء لكسر صورته و معاداته، و رُغم هذا يحتفظ النص بأنوثته إن صح التعبير، رقته و سلاسته و بعده عن العنف.

ثمَ  تسمح له بالتعريف عن نفسه فيبادر لوصف نفسه بأوصاف إيجابية، فهو قدر السماء الجيد و هو النصف المضيء من الباب الموارب و هو القدم التي لا تزل و هذه العبارات قد لا تكون نزقًا شعريًا بقدر ما تكون عبارات كاشفة عن سخرية مبطّنة من موضع الولد الذي هو رأس و بالتالي عقل و قائد، و هو قدر السماء الجيد (ربما إشارة للذكر الذي يُنظر له كأكبر النعم من السماء)، و هو النصف المضيء من الباب الموارب على افتراض أن الفتى قادر على الإنكشاف في مجتمع موارب ربما، و أتمادى فأقول و القدم التي لا تزل تشير بوضوح لرسوخ الخطوة و بشكل غامض تسكب العبارة بسخرية مُبطّنة فلا تقول الخطوة الراسخة أو القدم التي تتهادى، فهي تنفي و كأنها تثبت أو تسخر من القطع بعدم زلل تلك القدم قط و أبدًا.

و مع غرابة الربط إلا أن لفظة قدم / رِجْل / رَجُل توحي بارتباط القدم بالرجُل و كون السخرية مرتبطة بـ(الرجل) الذي لا يُخطئ و ليس الولد كما تورد العبارة التي تصفه بالولد لكنها لا تعطيه أوصافًا تؤكد حداثة سنه أو طفولته، بل أكاد أقول على العكس .

و تأتي النهاية منفصلة عن كلام الولد و تعريفه بنفسه، مفصولة بسطر فارغ و كأن جملة: “الجالسة في الصفِّ الأخير و التي لا يعنيها أن تحلم بعد الآن.” هو ما ترد به الفتاة ذات القميص الأصفر على الولد، و هي بذلك تُقصيه و تخبره أنها لا تريد أن تحلم و لذلك على الولد أن يعود لحجرته الضيقة بعد توقف رغبتها بالحُلم.

لماذا إذًا لا يظهر هذا الإنفصال بين الفتاة و الولد في خطابهما؟ و كأن الحوار غير واضح المعالم و كأنني و أنا أُحلل أُحيل الكلام لذات الشاعرة على الرغم من أنني لا أقصد ذات نور و إنما الذات التي تُمسك بزمام النص و التي لا نجدها ظاهرة لكن خيالها و عبارتها هي الحاوية لكل النص و هي الكُل الذي منه الجزء (الولد) فهو رأسها فقط، و هي الذات كلها، و هو يُعطى فُرصة ليبارح حجرته و ينطلق، و حينما يؤكد بأنه جيد و أنهُ مضيء و أنه لا يزلّ، و أنهُ أيضًا صديقها كاشفًا حالة ضيقها و ضجرها، تختم بأن تحرمه من الاستمرار و تقصيه إذ فقدت رغبتها بأن تحلم بعد الآن. هي هُنا لا تُصرّح بأنها قوية و لا تقول جهارًا بأنه ضعيف مهزوز، مُبالغ في إطراءه و أنهُ كثير الكلام.. لكنها تشير بوضوح لذلك.

و هي كذات اعتبارية تكشف حالة شعريّة وجدانية لكنها لا تختار أن يكون بطلها أُنثى بل تختارهُ ولدًا (أنيموس ربما؟) ، و لهذا كان في تحليلي أعلاه تجاهُل للمعنى الواضح للنص كصراع داخلي، و تعمق مفرط في تحليل دلالة التشبيه بالولد و حضوره هكذا باهتًا.

اترك تحليل النص تحليلًا سلسًا واضحًا لقراء آخرين، و أُعرض هذا التحليل لأُوضح الزاوية المخصصة التي رأيت من خلالها النص و استمتعت به. ربما أعود و أحلل نصوص أُخرى لو وجدت متسعًا من الوقت.

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: