الإعلانات

الرواية السعوديّة: أين تقف؟

عندما نتكلم عن الرواية السعوديّة فإن نظرة خجل تظهر على قسماتنا، هنالك شيء من الشعور بالنقص نشعر به حينما نتكلم عن الروايات السعوديّة.. عادة يرتبط هذا النقص بسوء سمعة مضامين رواياتنا، و أحيايين أخرى يرتبط بشعورنا بالإحباط من المستوى الفني المتدني لبعضها؛ استطيع أن أقول بأن موقفنا من أي عمل أدبي ينبع من تصوّرنا لغرض هذا النوع الأدبي الذي يندرج تحته هذا العمل.

مما درسته أكاد لا أجزم بشيء أكثر من جزمي بأن لكل قارئ فلسفته للأدب، فهو شيء من نفح اللغة، فيه ما في اللغة من غموض الإنسان (المشكل للغة و الأدب) و سوء فهمه من قِبل الآخرين.

ما نجمع عليه كلنا هو أن الأدب مرتبط بالمتعة، المتعة و مبدأ المتعة هو المبدأ الذي أحكم من خلاله على أدب ما هل هو ناجح أم فاشل، ما سوى ذلك تتناوب عليه مفاهيم كل شخص عن “ماهيّة الأدب؟ و مغزاه”

إذا انطلق أحدنا يسبّ و يشتم في الرواية السعوديّة و هشاشتها الفنيّة و قيمتها الركيكة، أو اعتداء احداها -المزعوم- على الذات الإلهيّة، فإننا سنرد ذلك لـ: “ماذا أردتَ أن ترى في هذا العمل؟” ( أو بعبارة أخرى ما مفهومك عن الرواية؟/ لماذا نكتبها؟ /ماذا تتوقع منها )

هل أردت كتابًا في الأخلاق و القيم؟؟ أم أردت كتاب صيد الفوائد ؟! أم أردت عملًا فنيًا يعكس روح مواطنك ( أو في حالة قراءة عمل أجنبي روح بلد هذا الروائي) و محيطها و منظومة أفكارها ؟ و صراعه هو/ هي، بأفكارهما المستقلة الخاصة و المواجه بين الفكرين. [ كأنها مصداق الآية: وجعلناكم شعوبًا و قبائلَ لتعارفوا.. ]

هل نريد من رواياتنا أن تكون عظيمة مؤثرة كما كانت الأعمال الأجنبيّة ؟

هل نريد أن يكون دورها في المجتمع أكثر من هامش الحدث، جانب المتعة إلى جانب الفعل و التأثير ؟

هل نريد أن تعكس صورة جميلة عنّا ؟؟!

كل هذه أسئلة منطقيّة تنبع في كل سؤال من تصوّر معيّن لقراء شتىّ ينظرون للرواية بنظرات متباينة، و يتوقعون منها أمورًا متباينة أيضًا. و لا بأس في هذا فالقراءات تتعدد بتعدد القرّاء و التوقعات أيضًا، ما يؤلم أكثر ما يؤلم هو أننا مجمعون على أن الرواية عندنا متقزّمة، الكُتّاب يظهرون فُرادى كأنما هم طفرات جينيّة و ليسوا نتاج وعي و دراسة و موهبّة، أعلم أن البعض قد يخرج فيقول الفن موهبّة و نحنُ لا ندفعه.. لكنني أجد أن الهواة أثخنوا جراح الرواية بعبثهم و رواياتهم الهشّة لدرجة مخزية. كيف يتسابقون للنشر و كأنهم كتبوا تحفة زمانهم و كيف يكيل الصحفيون المدح بالمكاييل كالعطارين ينادون و “يحرّجون” على أعمال سخيفة يشوهون معها مصداقيتهم؟!

نادرًا ما أقرأ نقدًا أدبيًّا من متخصص، نقدًا يأتي حازمًا و شديدًا حتى على المميزين من الأديبات و الأدباء و المميزة من الروايات. يندر أن يأتي أو تأتي متخصصة في الأدب فينتجان عملًا أدبيًّا فيه من شموخ ما درسوه و يحاكي مفهومهم المكتمل ( أو شبه المكتمل) للأدب عالي الحبكة متقن الكتابة رفيع المعالجة.

يبث هذا بداخلي حزنًا مرده أننا هواة في الرواية و لا أعتقد أننا أخذناها على محمل الجد إلا لمامًا، و أننا ننطلق في الكتابة و ننتهي من المتعة اللغويّة و إليها، و هذا ليس عيبًا بل مزيّة شرط ألا يكون هو أساس العمل و ألا  يقترن بضعف موضوع أو ثيم الرواية.

هذا يقودنا لمحور آخر مرتبط بمسألة الثيم أو الحدث المحوري في الرواية:

يربط إدوارد سعيد بزوغ فجر الرواية في أوروبا بالأطماع الاستعماريّة (١) و الرواية نفسها تجنح لأن تكون بصورة ما توثيقًا مُملّا لحياة رتيبّة، الباعث على إشراك القارئ في هذه القصة هو وجود حدث.

حدث كبير نحتاج معه لتوثيق دقيق و مُفصّل .. يغوص في وجدان الشخصيّات و كأنما يغترفُ شعرًا ثم يعود فيخرج للحدث يصفه و يوثقه كأنه جنس كتابيّ أقرب للمقالة. يستخدم عمقين في سبر الحدث و تبعاته؛ فالحدث في الرواية أكبر من مجرد حدث اعتياديّ يمكن أن نقعّر اللغة لتجميله (كما في الشعر)، نحتاج للغة شفافة تنقله كما هو.

و إذا كان ارتباط الرواية بالاستعمار و انطلاقها بلسان و قلم الأمة المُستعمِرة، و كون الحدث الذي تنقله الرواية قد بدأ بها و لازمها؛ فإن الرواية ما بعد الاستعمارية جاءت لتحكي و تتحدث باسم الشعوب المُستعمَرة،

أنا شخصيًا لا أجد للرواية فكاكًا عن هذه القضايا ( ليس بالضرورة الاستعمار، إنما مواضيع حاسمة في تاريخ الشعوب)، و لهذا نجد أن الأدب المُحتفى به لا يبالي بروايات معاصرة مثل روايات ستيفن كينغ، دانييل أستيل، أودري نيفينغر.. إلخ إلخ

و يبعث هذا تساؤلًا مُلحًّا مَن من المُعاصر يستطيع بلوغ المقام العالي للروايات العظيمة ؟ و هل سيعود يومًا البريق الماسيّ للروايات الإنجليزيّة و الأمريكيّة مثلًا ؟!! بعد أن تحول البريق نحو روايات أمريكا اللاتينيّة و أفريقيا .

لماذا هذا الإنفصال التام بين الشعبي و الجماهيري الذي يحتفي به الجمهور و بين المُحتفى به بين الأوساط الأدبيّة؟

هذا برأيي لا يعود لضعف في الرواية المعاصرة نفسها و إلا لما نجحت بين الناس، إنما يعود لهشاشة في الحدث و اعتياديّته و بالتالي عدم قدرته على التأثير على كل القراء المحليين في التعبير عنهم، و بهذا تُطرح منه الأهميّة القوميّة أو الوطنيّة التي قد تُشكّل عنصر جذب للخارج. لهذا أشاهد كيف يحتفى بالروايات ما بعد الاستعمارية(٢) مع أنها معاصرة للصميم؛ لكنها تحكي واقعها الفريد بقدرة ما على الحديث مع النفس و للنفس و لكن بحضور مميز خفيّ لـ( الآخر) و من هُنا يأتي هذا الآخر ليقرأ فيجد نفسه موجودة باختفاءها، موجوده بعدم وجودها: بمساحة فراغ مُرسومة بالضبط على قياسات هذا الآخر الغائب. (٣)

  • انبرى أحد النُقاد يقول أن جائزة نوبل صرفت نظرها عن العرب و لن تكون الجائزة من نصيب عربي في زمننا هذا، و باعتبارات السياسة التي تدخل في دوافع اعطاء الجائزة: أتقبّل هذا الكلام، و لكنني أعرف أن أعمالنا لها مستقبل باهر بالنظر للظروف نحنُ شعب جذّاب عالميًّا لتفردنا و أصالتنا يجب ألا نحوّل هذه الأصالة لغرابة ربما يجدر بنا أن نحكي حقيقتنا بصدق راقٍ لا يظهر إلا في الأدب الحقيقي.

لا أزال أتذكر الضجيج الذي حدث إثر رواية بنات الرياض و كيف كانت بعض الأقسام الجامعيّة الأوروبيّة مهتمّة بها لدرجة تقرريرها في قائمة القراءات في مقرراتها، و لا أنسى التقارير التلفزيونيّة الألمانيّة التي صادفتها في يوتيوب و فضولهم العلميّ الشديد تجاه السعوديين و تقريرهم عن صرعات بعض المراهقين بالتعلّق بأبواب السيارات و التزلّج على الاسفلت.. و تقريرٌ آخر أقل غرابة.

إنّهم مُهتمّون و إننا راضون و قانعون بأن تنمّطنا الأفلام و ينمّطنا روائيونا و نكتفي بالتفرّج و كتابة الروايات الذاهلة عن هويّتنا و حقيقتنا.. لا أطالب بالتوجه للرواية الواقعيّة فالعالم تخطانا بأنواع أُخرى و أحرى بنا ألا نعلق بالواقعيّة و نسجن أنفسنا بها؛ إنما يجب أن تظهر بصمتنا الفنيّة و ألا نكون بهذه الخفة و الشفافيّة فلا يكون لقوام أعمالنا الروائية نكهة خاصة.

ربما نحتاج فقط لمن يكتُب للداخل قبل الخارج، يكتُب للأدب و الفن فيه و لا ينظر للترجمة في الخارج و الانتشار العالمي أو الشهرة الآنيّة من خلال تنميطنا أكثر.

نحتاج لمن يعطي صنعته بعضًا من طاقته، لمن يحكي الناس و ثقافتهم و منظومتهم الفكريّة دون أن ينظر لهم من علو كأنما ينتقدهم من فوق برج عال. بطريقة فجّة و مُباشرة. نحتاج فعلًا  في ظل محاولة تشويه صورتنا الخارجيّة في الأفلام الأمريكيّة و الخيال الشعبي الأجنبي إلى أن نفهم هويتنا و نوثّق هذه المغامرة روائيًا، فنصنع نحنُ هويتنا لكي نُعطي صورة حقيقية بجمالها ـو بشاعتهاـ عنّا، نحتاج من جانب آخر لمن يتوقف عن تغذية الرواية بالتوجّه الإسلاميّ أو الرواية الإسلاميّة

كأنما يقرر لها من البداية كيف تُقرأ و كيف تؤخذ الفائدة منها؛ العمق في الرواية نابع من أن تضع نفسك موضع التمحيص و النقد،

لذلك لا تضع المبادئ في رواية.. لأن الغرض من الرواية تشريح الشخوص بلا حصانة لكي نفهم العالم أكثر .

  • تنطلق الرواية لفضاء آخر حُرّ ، تنفلت معه من عقال الأجناس الأدبيّة الأُخرى.. و هي دونًا عن جميع الأجناس الأدبيّة الأخرى تعتبر نوعًا أدبيّا مستوردًا . [كان عند العرب شعر و نثر و مقامة و مقال، لكن لم يكن عندنا رواية بمفهمومها الحديث بصيغها الحديثة و تقنيتها الحديثة]. 

و هنا يمكن التحدّي؛ كيف نصنع إرثنا الأدبيّ و نصنع لأنفسنا تاريخًا أدبيًّا في هذا الجنس الأدبي تحديدًا؟ هذا الجنس الذي نجح مع غيرنا و كُتبت نماذجه الفذّة بلغات غير لغتنا.. ممن نستقي؟

لا زلنا نمشي و نتعثّر، و لا أظن أن أحدًا من غير المتخصصين يعرف من هو حامد دمنهوري أو عبد العزيز مشرّي الغامدي و و و

لهذا نحنُ بوجهة نظري المتواضعةـ لا نزال نعيش مرحلة النهوض و التعثّر، كم اسمًا قديمًا من الروائيين نتذكّر ؟

الأدب هو ما يصمد في اختبار الزمن و يضل يضج و يحدث أثره مع مرور الزمن، تفحصوا هذا الرابط (٤) و القائمة في آخره؛ كم اسمًا تذكرته و كم اسمًا تعرفه؟! هذا يعني أنهم لم يؤثروا على تقاليد الرواية عندنا.

ماذا عن المعاصرين ؟ هل سنتذكرهم ؟

هذا بالضبط، هذا السؤال و إجابته.. هو ما يحدد أين نقف من الماضي و ما نوع المستقبل الذي نسير له ؟

الرياض

١٤/نوفمبر ٢٠١١

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) الثقافة و الإمبريالية: إدوارد سعيد
(٢) من سمات هذه الروايات أن تكون مكتوبة من الشعب الذي اُستعمر بلغة المستعمر الذي يشكّل ركيزة داخل العمل و محورًا مهمًا في الحدث
(٣) هذا تفسيري الشخصي المُتعجّل و ربما يرد آخرون هذه النتيجة لأسباب أُخرى.
(٤)الرواية العربية السعودية [قراءة ببلومتريّة] 
الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: